عقلية الباحث عن الفرص: كيف يفكر المقبولون دائما؟
إذا رأيت يوماً أن الفرص لا تأتيك وأن كل الأبواب مغلقة، فاسأل نفسك: هل المشكلة فعلاً في قلة الفرص، أم في طريقة رؤيتنا لها؟
كثير من الناس يعتقدون أن فرص العمل أو التدريب او الدراسة نادرة. لكن في الواقع، ما نفتقده غالباً ليس الفرص نفسها، بل عقلية البحث عنها والتحدي الحقيقي ليس وجود العوائق، بل الجاهزية لرؤية الفرص واستغلالها.
ولكي ننجح في نيل القبول الدائم بجدارة، نحتاج أولاًإلى تدريب عقولنا على التقاط الفرص. يشير هايدغر إلى أن أصل كل شيء ليس إيجاد الإجابات الجاهزة خاصة من الانترنت، بل في طرح الأسئلة التي تصنع مسارا.
فكر قليلاً: كم فرصة مرّت أمامك هذا العام ولم تستفد منها؟ كم استمارة فرصة ما اعدمتها بالنسيان او التردد؟
عقلية القبول تبدأ دائما بسؤال
الفرق الجوهري بين الشخص الذي يحصل على الفرص ومن يجد نفسه دائمًا في دائرة الرفض لا يتعلق بعدد الفرص المتاحة لهما، بل بطريقة تفكير كل واحد منهما عندما تظهر فرصة.
فالعقل لا ينتج أفكاراً فقط، بل يصنع سلوكاً.وطريقة تفكيرك أثناء التقديم على منحة، أو ملء استمارة تدريب، أو كتابة رسالة الدافع، تؤثر في النتيجة قبل أن تضغط زر الإرسال.
المشكلة أن أغلبنا يتعامل مع الفرص بأفكار سريعة وسطحية نلتقطها من محيطنا دون تمحيص مثل:
المنافسة قوية/ لست الأفضل/ سأجرب وربما سأخسر شيئًا
هذه العبارات تبدو عادية، لكنها تحدد مستوى الجهد الذي نبذله، وبالتالي تحدد جودة طلب التقديم نفسه.
في المقابل، هناك نوع آخر من التفكير العميق، وينتج من هندسة الفكر أي اكتشاف القناعات التي تقيد سلوك الشخص أثناء التقديم: الخوف غير الواعي من الرفض، الإجابات المنسوخة من الإنترنت، التشتت في الأهداف، أو غياب رؤية واضحة لما يريده فعلاً من الفرصة. إعادة التفكير لا تعني فقط البحث عن الإجابة الصحيحة، بل طرح السؤال الصحيح:
§ ماذا تبحث عنه لجنة الاختيار فعلاً؟
- لماذا يناسبني هذا البرنامج تحديداً؟
- كيف أقدم نفسي بوضوح استراتيجي لا بتشتت؟
هنا يبدأ الفرق الحقيقي وندرك ان المرفوض غالبًا لا يكون أقل ذكاءً، بل أقل وضوحاً .أما المقبول فيكون أكثر فهماً لذاته، وأكثر قدرة على ربط تجربته بقيمة البرنامج.
وفي عصر الذكاء الاصطناعي لم تعد المشكلة في نقص المعلومات بالنسبة للباحث عن الفرص، لأن الجميع يستطيع الوصول إليها. الميزة أصبحت في:
- التعلم السريع والاستمرار فيه
- ترك الأفكار القديمة التي تعيق التقدم
- تحليل المعلومات بدل نسخها
- العمل بانفتاح مع اختلافات ثقافية وفكرية
- التخطيط بدل العشوائية
هذه ليست مهارات إضافية تكتب عنها وتسوق لها رقميا، بل هي عقلية كاملة تبنى عبر التقديم المتكرر والإجابة وطرح كل أنواع الأسئلة.
الزوايا التي لا تٌرى خلف الفرص: دليل لفهم الفرص واستغلالها
نميل عادةً إلى رؤية المنح الدراسية وبرامج التدريب والتطوع كأنها كراسي شاغرة تنتظرنا او جوائز ستسعدنا: وكأن جهة ما تبحث عن أفضل المتقدمين لتكافئهم بفرصة تعليم أو سفر أو خبرة. لكن المؤسسات ترى الأمر بطريقة مختلفة.
الفرصة في حقيقتها ليست هدية، بل مشروع. والجهة المنظمة لا تبحث عن الشخص الأكثر تفوقاً بقدر ما تبحث عن الشخص الذي يساعدها على إنجاح هذا المشروع. لان الدول والمؤسسات لا تستثمر في الأفراد بدافع الإحسان، بل بدافع واضح مفاده ان الفرص جزء من سباق عالمي على العقول والطاقات الشابة، ومحاولة لبناء شبكات تأثير، تبادل معرفة، وإيجاد أشخاص قادرين على إحداث أثر في مجتمعاتهم لاحقاً.
هنا يظهر أول اختلاف حقيقي في التفكير.
الشباب الغير مدرب بعد على البحث الجيد عن الفرص يرى إعلان الفرصة ويسأل: هل أملك الشروط؟ هل يمكن أن يقبلوني؟
أما الباحث عن الفرص المتمرس يسأل سؤالاً بتفرد تام: لماذا أُنشئت هذه الفرصة أصلًا؟ هل أصبح معيارا قبول جديد للفرصة؟ ومن هو الشخص الذي تحتاجه فعلاً؟ الناس تبحث عن الفرصة، بينما هو يبحث عن سبب وجودها وكيف يكون مرن وفقا لسياقاتها.
عندما تفهم أن كل فرصة ليست تتويجاً لشخصك، بل وسيلة تعتمدها جهة ما لتحقيق غاية تعليمية أو اجتماعية أو تنموية، يتبدّل خطابك بالكامل. تتوقف عن السعي لإبهارهم بما أنجزت، وتبدأ في إقناعهم بما يمكنك أن تضيفه بوصفك الامتداد الطبيعي لهدفهم. وهنا يكمن الفارق الحقيقي: القبول لا يُبنى على استعراض الذات، بل على قدرتك على أن تكون حلاً لاحتياج واضح.
اللحظة الاستراتيجية أفضل من المثالية
المقبولون دائمًا يتحركون قبل أن يكونوا جاهزين بالكامل، وينظرون إلى الفرص كمساحات للتعلم والتطور، بينما كثيرون يبقون خارج هذا السياق ليس لضعفهم، بل بسبب تصور عميق مفاده أن الفرصة تأتي بعد الكمال لأنهم ينتظرون اللحظة المثالية، أو تراكم الخبرات الكاملة، أو الشعور بالثقة المطلقة.
في ثقافة تكرّس فكرة " المنافسة شديدة، المتقدمون كثر، القبول صعب" نبدأ بتخيّل سباق بين آلاف السير الذاتية، السر لتفادي كل هذه المعمعة يكمن فيمن يضع نفسه في الميدان -غالباً الأكثر حضوراً في المجال العام - يكتب، يشارك، يطرح الأسئلة، ويستفيد من كل مساحة متاحة قبل أن يشعر أنه يستحقها او يشكك بذلك.
الباحث عن الفرص يرى القبول من بعيد لأنه اغترب عن لحظته المثالية وصنع لحظته الاستراتيجية.
هوس الباحثين عن الفرص بديمومة القبول
لب المسألة ليس صراع بين المتقدمين، إنما قدرة الشخص:
§ على فهم أهداف البرنامج
§ التفاعل مع الفريق
§ وإتمام المهام الموكلة إليه.
المتقدم العادي يحاول أن يُبهر ويكدّس الإنجازات بأي طريقة. أما الباحث عن الفرص، فيحاول أن يكون مفهوماً .
سر ديمومة قبول الباحثين عن الفرص هو السؤال الصحيح والبحث في المكان المناسب والاستمرار في التعلم لتعزيز القدرة على التكيف، ثم يحولون هذا النهج إلى مسار استراتيجي يٌراكم الخبرة.
وما يبدو للآخرين حظًا نادراً، هو في الحقيقة طريقة تفكير وممارسة مستمرة. وهذا لا يأتي تلقائيًا ولا بالفطرة، بل يُبنى شخصياً مع الوقت، الخبرة، والتعرض للرفض وتجربة الأماكن الخاطئة.
هل نخاف فعلياً من حرفين فقط: "لا"؟
العائق الأكبر أمام اغتنام الفرص ليس الفشل نفسه، بل الخوف من أن تُرى هزائم الباحثين عن الفرص علناً، أن تُسجّل محاولتهم كخطأ دائم في أعين المجتمع او ككذبة عما يريدون ان يكونوا.
كثير منهم يتوقفون عن المحاولة لأنهم يخشون التقييم الاجتماعي وانطباع "اللجان" الافتراضية. لذلك يؤجلون التقديم على الفرصة، انتظاراً للقبول من أول مرة في محاولة قادمة، وكأنهم يريدون أن يقفزوا مباشرة إلى خانة "المقبولين دائمًا" دون أن يمروا بطريق الرفض.
لكل قارئ عليك ان تعي ان من يتبنى الرواية التي قيلت عنه بعد اول تعثر، سيختفي من الساحة والسياق، فالباحث عن الفرص يدرك مبكراً أن الخطأ لا يعيد تعريفه، بل يكشف له موقعه في الطريق. لذلك يجعل مركزه هو عملية المحاولة نفسها.
والإنسان لا يبدأ فعلياً عند أول نجاح، بل عند اللحظة التي يتوقف فيها عن إسقاط نفسه بعد كل تعثر.
المقبولون لم يصلوا إلى هذه المرحلة لأنهم لم يُرفضوا أبدًا، بل لأنهم مرّوا بموجات من الرفض، أحياناً إلى حد المعاناة، بما يتناسب مع أهمية الفرص بالنسبة لهم. ثم توقّفوا عن تفسير هذه التجارب كمحنة شخصية أو كحكم نهائي على قيمتهم، وبدأوا في رؤيتها كتغذية راجعة استراتيجية.
الرفض بالنسبة لهم يساوي معلومة جديدة تُضاف إلى قاعدة بياناتهم الشخصية، وجزءاً طبيعيًا من آلية الفرز التي يعمل بها العالم.
كل "لا" توضح أنك دخلت أخيراً إلى النظام، وأنك أصبحت مرئيًا ضمن دائرة الاختيار.
أما الذين لا يُرفَضون أبدًا بسبب انعزالهم، فهم غالباً لم يظهروا أصلًا، وربما لن يظهروا أبدًا إذا لم يبدؤوا بالتحرك.
وقد أكدت نظرية الكفاءة الذاتية لـ Albert Bandura أن القضية ليست في حجم المهارة، بل في الإيمان بالقدرة على توظيفها تحت الضغط والغموض، الذي قد يظهر أحيانًا على شكل رفض.
هذا يفسر لماذا قد يرى شخص ما فرصة يصحبها الرفض ويغتنمها رغم ذلك، بينما يمتلك آخرون نفس المعرفة لكن لا يتحركون.
تقنيات الحظ السعيد: اصفع عقلك
يُقال كثيراً: "فكّر خارج الصندوق"، وغالباً ما يتصور الناس أن هناك صندوقاً فعليًا يجب الخروج منه. في الحقيقة، الصندوق ليس سوى تصور ذهني عن طريقة سير العالم، ولا نتحدث هنا عن الخروج منه أو عن احتمال وجوده، بل عن كيفية التعامل مع العقل بوعي واستراتيجية. قد يكون صندوق البعض حقلاً قاحلاً لا يمكن التقدم فيه إلا إذا خصبته بأسئلتك وأفكارك، أو ركضت فيه بحرية مع وعيك بالاحتمالات الكثيرة التي يمكن التفكير فيها، لأن الفرص لا تُوجد جاهزة، ولا تُخلق من العدم، ولا تُعطى للكسالى ذهنيا. تُكتشف الفرص عندما تعيد تعريف ما هو موجود أصلاً، أي عندما تتصارع قليلاً مع عقلية الماضي، وهذا ما يمكن أن نطلق عليه "صفعة فكرية صحية".
ولصفعة فكرية صحية أخرى لكم: ليست كل الفرص فرصاً حقيقية، ولا يوجد وصفة مثالية للقبول، والقبول المتعدد ليس بالضرورة نجاحاً. كل ما سبق هو نتاج عقلية سليمة قائمة على المبادرة والاستمرارية، لا هدف هش يتوقف عليه شعور شخص ما بذاته.
كل ما سبق يخلص الى ان التصفية الواعية، المبنية على اختيار مدروس، تضيف قوة استراتيجية للمهارات وتوسع الكفاءة على اتخاذ القرارات الذكية بسرعة، وهذا ما يميز المقبولين عمن يركض وراء كل فرصة فقط لأنها مجانية أو ممولة بالكامل. أما كثرة التجارب بلا معيار واضح فقد تخلق تشتتاً منظماً؛ يبدو أنك نشيط، لكن تركيزك يضيع، ومهاراتك لا تتراكم بشكل استراتيجي، وقد يشير ذلك بوضوح إلى خوفك من تحديد مسارك.
كيف يفكّر المقبولون في الفرص؟
وأنا أكتب عن كيف يفكّر المقبولون في الفرص والمؤتمرات او المنح، لا أتحدث عن حظ ولا عن كاريزما غامضة. الفكرة أعمق من ذلك. أظهرت دراسة حديثة في مجال الإدراك الريادي، باستخدام التحليل المقارن النوعي للمجموعات الغامضة (fsQCA) على عينة من 404 ناجحين في مجالات مختلفة، أن المقبولين لا يعتمدون على صفة واحدة فقط، بل على توليفة ذكية من العوامل
§ الجرأة على المخاطرة
§ الوعي بالتقنية
§ الخبرة
§ التأثير الاجتماعي
§ فهم الابتكار
حين تتكامل هذه العناصر، تنشأ عقلية قوية تجاه الفرص وتوقع أعلى بالعائد منها. والأهم أن هذه العناصر لا تحتاج أن تتواجد جميعها بنفس الطريقة؛ وهذا بالضبط ما يميز المقبولين: لا يفكرون بطريقة واحدة ثابتة، بل يبنون قراراتهم من مزيج من الوعي، الثقة، والدعم الاجتماعي، مما يمنحهم قدرة أكبر على اغتنام الفرص وتحويلها إلى نتائج حقيقية.
الذكاء الاجتماعي في استباق الفرص: سر نجاح المقبولين
الباحث عن الفرص يرى علاقاته الاجتماعية كمحرك استراتيجي يدعم نموه الفكري والعقلي. من خلال ربط الأشخاص والمعلومات بشكل ذكي، يتعلم استخدام التحليل والحدس ويستثمره في بناء ذكاءه الاجتماعي، ليتجه به فيما بعد الى صناعة الأثر الذي يساعده على استباق الفرص قبل الآخرين.
وضح هذا Ronald Burt، (بناء جسور بين دوائر اجتماعية متباعدة يحوّل العلاقات إلى موارد وفرص حقيقية). لذلك، غالباً ما يكون المقبولون أشخاصاً لا يكتفون بعلاقات سطحية، بل يكوّنون شبكة علاقات فعّالة ومتوازنة: روابط واسعة للحصول على معلومات جديدة وروابط عميقة للحصول على الدعم والثقة. هذه العقلية في إدارة العلاقات هي ما يميزهم ويقودهم نحو تحقيق أهدافهم بكفاءة.
في فرص خضراء، نؤمن أن القبول والفرص لا تختارك، بل أنت من يختارها بعقلك المدرب وجرأتك على ربط كل تجربة بما بعدها وتحويلها إلى قيمة فعلية لمسارك المهني والشخصي، لتبني مستقبلك بوعي واستراتيجية حقيقية.
كوثر العوادي
فريق كتابة المحتوى – فرص خضراء