قصة سائد حنني… كيف وُلدت “فرص خضراء” من قلب طريق مُغلق
أحيانًا، أكبر فكرة في حياتك لا تأتي لأنك “مستعد”.
تأتي لأن الواقع يضغط عليك لدرجة أنك إمّا أن تنكسر… أو تخترع طريقًا.
أنا سائد حنني.
مؤسس منصة فرص خضراء.
وهذه ليست قصة نجاح سريع، ولا قصة حظ.
هي قصة محاولات متكررة، وخيارات صعبة، ورحلة تعلمت فيها أن “الفرصة” ليست شيئًا تنتظره… بل شيئًا تصنعه.
أنا جاي من فلسطين.
وفي فلسطين، حتى الأشياء البسيطة قد تصبح معركة: الدراسة، الحركة، السفر، وحتى التخطيط لأسبوع قادم.
ومع ذلك، في كل مرة كنت أواجه فيها بابًا مغلقًا، كان يظهر داخلي سؤال واحد:
طيب… إذا هذا الباب انغلق، شو الباب الثاني اللي بقدر أفتحه بيدي؟
البداية: “التوجيهي (الثانوية العامة) ” كفكرة مخيفة… ثم كـوهم
في مجتمعنا، “التوجيهي” يتحول لشيء أكبر من امتحان.
يتحول لحكم. لرقم يُقال لك إنه سيقرر مستقبلك.
وبصراحة… عشته بكل تفاصيله: توتر، خوف، وتيه.
أنا في البداية كنت أفكر بطريقة ثانية: بزنس وشغل وبداية مبكرة.
كنت أريد أن أركض بسرعة، أن أبني حياة قبل أن تضيع سنوات في الدراسة.
لكن في آخر شهر قبل الامتحانات، صار شيء داخلي.
فجأة قررت: بدي أصير مهندس.
كان القرار متأخرًا، لذلك كان الطريق أصعب.
درست ليل نهار. ومع ذلك لم أنجح من أول مرة. ولا من الثانية.
كانت عندي “عقدة الإنجليزي”، وما زالت جزءًا من رحلتي.
لكن أنا من النوع اللي إذا قرر يعمل شيء… يصرّ عليه.
نجحت في النهاية.
لكن النتيجة لم تكن “بوابة سهلة” للهندسة.
وهنا جاءت لحظة مفصلية:
إما أستسلم لفكرة أن معدلي “حسم” الموضوع… أو أثبت لنفسي أن الرقم لا يساوي الإنسان.
اخترت أن أثبت.
اخترت طريقًا أصعب من المسار التقليدي. لم يكن الهدف مجرد النجاح، بل التفوّق تحت ضغط حقيقي. كان عليّ أن أُثبت نفسي داخل الكلية ضمن شروط صارمة: تحقيق معدل تراكمي يتجاوز 85%، واجتياز امتحان الشامل بمعدل أعلى من 85% أيضًا. وهو امتحان مركزي تنظمه وزارة التربية والتعليم العالي في فلسطين. عندها فقط أستطيع دخول نظام “التجسير” ومواصلة دراسة البكالوريوس في الهندسة.
وفي النهاية تخرجت من جامعة النجاح الوطنية فلسطين - كلية هشام حجاوي، وكنت الأول على الدفعة، وحققت 96% في الامتحان الشامل، وكنت الأول على الكلية في الأمتحان.
وهذه النقطة ليست للتفاخر. هذه نقطة “معنى”.
لأنها ببساطة تقول:
التوجيهي ليس قدرًا.
الثانوية العامة قد تعطيك رقمًا… لكنها لا تحدد سقفك، ولا مستقبلك، ولا قيمتك.
المستقبل يصنعه قرارك أن تكمل، وأن تبحث عن طريق بديل بدل أن تتوقف عند أول جدار.
كورونا والعمل على الجبل: حين تتحول الحياة لامتحان بقاء
وصلت لمرحلة الجامعة (البكالوريوس) وأنا متحمس جدًا.
كنت أريد نشاطات، تطوع، علاقات، مساحة أكبر من حدود القرية والحاجز.
وبعد أسبوع واحد تقريبًا… جاء كورونا.
الجامعة التي حلمت بها صارت شاشة.
وكل شيء توقف.
لكنني اكتشفت شيئًا مهمًا وقتها:
العالم كله صار أونلاين.
يعني العالم كله صار قريب إذا عرفت كيف تصل له.
بدأت أتعلم عالم الاجتماعات الرقمية.
وبدأت أستثمر وقتي لتطوير لغتي الإنجليزية مع أجانب، لأني كنت أعرف أن اللغة ليست “مادة”… اللغة مفتاح.
وفي نفس الفترة، كان هناك واقع اقتصادي قاسٍ.
اشتغلت داخل الأراضي المحتلة بدون تصريح.
كنت أنام على جبل في خيمة بدائية، بلا كهرباء، وبخوف يومي حقيقي.
كنت أحمل اللابتوب معي للشحن في الشغل، ثم أرجع وأكمل واجباتي وامتحاناتي.
الناس كانت تشوفني أنزل من الجبل ومعي اللابتوب وتضحك:
“إيش بتعمل؟”
وأنا حرفيًا كنت أعيش حياة غريبة: طالب، عامل، وخائف… وكل هذا في وقت واحد.
في ليالي الشتاء، كنت أسمع المطر فوق الخيمة وأشوف المي تنزل تحتّي.
وكل ليلة كانت تشبه “الليلة الأخيرة”.
مش لأنني أحب الدراما… بل لأن الحياة أحيانًا في فلسطين لا تعطيك رفاهية الأمان.
هذه المرحلة علمتني درسًا لا يُنسى:
الاستسلام ليس خيارًا عندما تكون حياتك نفسها تحتاج “محاولة” كل يوم.
الحاجز: أن تصبح “مغتربًا” داخل بلدك
أنا من بيت فوريك قرب نابلس.
قرية جميلة… لكنها محاصرة.
مدخل واحد، وحاجز احتلالي قد يجعل نصف ساعة طريقًا لساعتين أو ثلاث.
اضطررت أن أسكن بعيدًا عن أهلي.
ليس لأن الجامعة بعيدة… بل لأن الحاجز يقرر متى تتحرك ومتى تُمنع.
وهنا شعرت بالقهر الحقيقي:
أن تبتعد عن أهلك بسبب حاجز، لا بسبب مسافة.
لكن القهر عندي لم يتحول لكراهية للحياة.
تحول لإصرار:
إذا كانت الظروف تُغلق عليّ المساحات… سأصنع مساحة جديدة.
عندما لا تجد الفرصة… اصنعها
حين بدأت الجامعة تعود تدريجيًا، اكتشفت أن كثيرًا من النشاطات متوقفة.
المكان الذي كنت أحلم به “كمساحة فرص” كان جامدًا.
فقلت: طيب… ليش أستنى؟
ساهمت في تأسيس وقيادة نادي طلابي في كلية الهندسة (IEEE).
وعلى مدار فترة قصيرة نسبيًا، صنعنا فعاليات كثيرة، أونلاين وعلى الأرض، وفتحنا مساحات تدريب وشراكات حقيقية.
لم يكن الهدف “فعالية وخلاص”.
الهدف كان أن نزرع ثقافة: أن الطالب ليس فقط محاضرة وامتحان، بل بناء شخصية ومسار.
وبالشراكات اللي عملناها، ساهمنا بشكل مباشر أن طلاب يتوظفوا، وأن شركات تشوف طاقات كانت مخفية.
وهنا بدأت تتشكل داخلي عقلية واضحة:
أحيانًا أنت لا تحتاج أن تبحث عن فرصة. أنت تحتاج أن تصنعها… ثم تأتي الفرص كأثر طبيعي.
قشور البرتقال التي فتحت بوابة العالم
من هذا الجو، بدأت أول تجربة ريادية غيّرت حياتي: مشروع تحويل قشور البرتقال إلى سليلوز، ثم إلى مادة يمكن استخدامها لصناعة الخيوط والنسيج.
لم يكن الموضوع “فكرة جميلة”.
كان مختبرًا وتعبًا وتجارب يومية.
وكانت العملية تحتاج وجودًا يوميًا في الجامعة.
وفي ذاك الوقت، كانت المواصلات مكلفة جدًا، تصل تقريبًا إلى 20 دولار يوميًا ما بين تنقل ووجبة واحدة.
وفوق ذلك، كان الوصول أصلاً يتعطل بسبب الاقتحامات والإغلاقات والإضرابات.
ومع ذلك، كملت.
بعد حوالي ستة أشهر من العمل اليومي، قدرت أستخرج أول عينة سليلوز ناجحة.
ومن هنا بدأت رحلة الجوائز والدعوات والسفر.
سافرت لعرض المشروع في أكثر من دولة، عربية وأوروبية، ووصلت التجربة حتى لشرق آسيا.
وأول سفرية كانت إلى لبنان عبر الإسكوا عام 2022، وكانت محطة مفصلية.
وقتها فهمت شيئًا صار لاحقًا شعارًا في حياتي:
أول مرة هي أصعب مرة.
صعب تحصل على أول فرصة، وصعب ترتب أول سفر، وصعب تطلع من فلسطين أصلًا.
لكن بعد أول مرة… يبدأ الباب يفتح.
الحرب وما بعد التخرج: حين توقف كل شيء… وظهرت فكرة “فرص خضراء”
تخرجت في نهاية 2023 في زمن كان كل شيء فيه ينهار.
حياة كاملة توقفت. مشاريع توقفت.
حتى التمويل اللي كنت حصلت عليه لمشروعي—وكان 9000 يورو—توقف، لأن الواقع لم يعد يسمح بالاستمرار.
كانت لحظة صدمة.
ليس لأن مشروعي توقف فقط… بل لأنك فجأة تشعر أن الأرض تسحب من تحتك “الخطة” اللي كنت تبنيها سنة وراء سنة.
لكنني، بصراحة، لا أعرف كيف أعيش بدون محاولة.
بدأت أدور على الضوء الصغير في آخر النفق.
شاركت مع زملائي في تأسيس شبكة شبابية عربية.
وبين المؤتمرات والنقاشات، كنت أرى المشكلة بوضوح شديد:
الفرص موجودة.
لكن كثير من شبابنا لا يصل لها.
أو يراها متأخرًا.
أو تضيع عليه لأن اللغة حاجز.
أو لأنه لا يعرف من أين يبدأ.
أو لأنه لا يملك شبكة تقول له: “هاي الخريطة”.
ومن هنا… وُلدت فرص خضراء.
ليست كصفحة تنشر روابط وخلاص.
بل كفكرة “عدالة وصول”:
أن تكون الفرص البيئية والمناخية والمهنية واضحة، قريبة، وبالعربي، وبمنهجية عملية.
بدأنا ننشر يوميًا فرصًا: سفر ممول، تدريبات، مؤتمرات، منح ومسارات.
وتحولت المنصة إلى مجتمع.
ومع الوقت صار هناك فريق متطوعين من دول عربية متعددة—أكثر من 320 متطوعًا من 18 دولة—يشتغلون بروح واحدة، لأن الهدف واحد:
رفع مشاركة الشباب العربي في المساحات الدولية، وبناء جاهزية حقيقية للمنطقة أمام آثار التغير المناخي والاقتصاد الأخضر.
أنا كنت أؤمن أن حضورنا العربي في المساحات الدولية ليس ترفًا.
لأن منطقتنا أصلًا من الأكثر هشاشة، والأقل جاهزية أمام الكوارث.
وإذا لم نكن نحن هناك… غيرنا سيقرر عنا.
السفر كفلسطيني: ليس “تذكرة”… بل اختبار إرادة
أنا لا أحكي عن السفر كصورة أو تجربة سياحية.
السفر بالنسبة لنا سلسلة معارك:
ضرائب، طريق للأردن، جسر يُغلق فجأة، وخطة تتغير خلال ساعات.
مرة نمت يومين كاملين على الجسر لأتمكن من الخروج.
ومرة علقت في الأردن بسبب تصعيد، ثم وجدت طريقًا عبر البحر إلى مصر، ثم طيران، ثم وصول قبل الفعالية بساعات… بدون موافقات واضحة وبضغط هائل.
لكنني كنت مؤمنًا أن وجودي هناك له معنى.
أنا ألبس الكوفية دائمًا.
ليست “إكسسوار”.
هي تذكير دائم: أنا لا أمثل نفسي وحدي. أنا أمثل شبابًا كثيرين لم يستطيعوا أن يصلوا.
الجملة التي تلخص كل القصة
لو رجع فيّ الزمن، أقول لسائد قبل سبع سنوات:
اشتغل أقوى… لكن لا تنسى أن تعيش.
وازن حياتك، لأن الطريق الطويل يحتاج نفسًا طويلًا.
وأذكر نفسي دائمًا بجملة واحدة:
لا يوجد شيء اسمه خسارة. الخاسر الحقيقي هو الذي لا يحاول.
إذا بتحاول… أنت دايمًا فايز.
حتى لو لم تنجح الآن، أنت تتعلم وتكبر وتقترب.
لماذا هذه القصة على موقع “فرص خضراء”؟
لأن “فرص خضراء” لم تأتِ من رفاهية.
جاءت من نقص حقيقي عشته: نقص الفرص الواضحة، نقص التوجيه، نقص اللغة، نقص الشبكات.
فقلت: إذا أنا تعبت لأفهم الطريق… لازم غيري يلاقيه أوضح.
أنا سائد حنني.
وهذه قصتي مع فرص خضراء:
من بلد يضيق عليك المساحات… إلى منصة تحاول أن توسع المساحات لغيرك.
والقصة الأجمل؟
أن القادم ليس عني فقط.
القادم عن شباب عربي سيقول يومًا: “أنا وصلت… لأن حدًا قرّب لي الطريق.”