هل يمكن أن تبدأ القيادة المناخية من داخل المنزل؟
في الوقت الذي أصبح فيه تغير المناخ واحداً من أكبر التحديات التي تواجه المجتمعات والاقتصادات، لم تعد مواجهته مسؤولية الحكومات والمؤسسات الكبرى وحدها. فالانتقال نحو اقتصاد أكثر استدامة يرتبط أيضاً بخلق فرص جديدة للعمل والابتكار وريادة الأعمال، وهو ما يجعل الأفراد والمشروعات الصغيرة جزءاً من عملية التحول الأخضر.
ومن بين هؤلاء النساء اللواتي يمكن أن يكنّ جزءاً مهماً من هذا التحول. فقد تبدأ الرحلة بفكرة بسيطة أو مهارة يتم تعلمها من المنزل، ثم تتحول إلى مشروع ومصدر دخل، وفي بعض الحالات إلى فرصة لنساء أخريات للمشاركة في سوق العمل. وتؤكد منظمة العمل الدولية أهمية مشاركة النساء في الانتقال العادل نحو اقتصاد أكثر استدامة، مع ضرورة إزالة العوائق التي تحد من وصولهن إلى الفرص والموارد.
لكن كيف يمكن أن تتحول هذه المشاركة من فكرة إلى أثر حقيقي؟
ما المقصود بالفرص الخضراء؟
عندما نتحدث عن الفرص الخضراء، فنحن لا نتحدث فقط عن حماية البيئة، بل عن فرص جديدة للعمل وريادة الأعمال والابتكار مرتبطة بالتحول نحو أنشطة اقتصادية أكثر استدامة.
وتشمل هذه الفرص مجالات متعددة، مثل:
- الطاقة المتجددة.
- الزراعة المستدامة.
- إدارة المخلفات وإعادة التدوير.
- كفاءة استخدام الطاقة والموارد.
- تطوير المنتجات والخدمات الأكثر استدامة.
وتعرّف منظمة العمل الدولية الوظائف الخضراء بأنها وظائف لائقة تساهم في الحفاظ على البيئة أو استعادتها، سواء في القطاعات التقليدية أو القطاعات الناشئة، مثل الطاقة المتجددة وكفاءة الطاقة. ويمكن لهذه الوظائف أن تساهم في تحسين كفاءة استخدام الطاقة والموارد، والحد من المخلفات والتلوث، وحماية النظم البيئية، والتكيف مع آثار تغير المناخ.
وبالتالي، فإن التحول الأخضر لا يعني فقط تغيير الطريقة التي نتعامل بها مع البيئة، بل يعني أيضاً ظهور مهارات ومشروعات وأفكار جديدة يمكن أن تصنع فرصاً اقتصادية.
وتوضح التجارب المرتبطة بدعم الاقتصاد الأخضر في مصر أن الانتقال إلى نماذج أعمال أكثر استدامة يمكن أن يرتبط بتطوير المهارات، وخلق فرص العمل، والوصول إلى أسواق جديدة.
عندما تصنع المرأة فرصتها بنفسها
لكن أين تقف المرأة وسط هذا التحول؟
المرأة ليست مجرد متلقية للفرص الخضراء، بل يمكن أن تكون صاحبة الفكرة، ورائدة الأعمال، وصانعة الحل، والقائدة التي تنقل التجربة إلى غيرها.
وتشير منظمة العمل الدولية إلى أهمية دور رائدات الأعمال في تحقيق انتقال عادل ومستدام، خصوصاً عندما تتوافر لهن الموارد والمهارات والأسواق اللازمة لتطوير مشروعاتهن.
وفي مصر، حددت منظمة العمل الدولية قطاعات مثل الزراعة، والطاقة المتجددة، وإدارة المخلفات باعتبارها مجالات يمكن أن تنمو فيها المشروعات التي تقودها النساء، مع وجود تحديات تتعلق بالوصول إلى التمويل والموارد والأسواق.
وهنا تظهر أهمية الانتقال من مجرد الحديث عن الفرص إلى توفير البيئة التي تسمح للمرأة بتحويل فكرتها إلى مشروع قابل للاستمرار.
من مشكلة شخصية إلى مشروع مستدام: قصة Ola Ali
أحياناً لا تبدأ الفرصة من خطة عمل كبيرة، بل من سؤال بسيط:
«ماذا يمكنني أن أفعل بهذه المهارة؟»
وهذا ما تعكسه قصة Ola Ali، مؤسسة مشروع Tashuqat في الجيزة.
بعد تخرجها، واجهت Ola صعوبة في العثور على عمل، فقررت تعلم حرفة وتطوير منتج يمكن أن يتحول إلى مصدر دخل، إلى جانب تعليم نساء أخريات كيفية العمل من المنزل.
ومن هنا تأسس مشروع Tashuqat، وهو علامة للمنسوجات اليدوية المستدامة تستخدم القطن والصوف الطبيعيين وتقنيات مثل Needlepoint وPunch Needle.
لكن أهمية التجربة لا ترتبط بالمشروع وحده، بل بما نتج عنه من فرص لنساء أخريات. ووفقاً للمعلومات المنشورة من برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، أصبحت قوة العمل في Tashuqat مكونة بالكامل من النساء، وجميع العاملات أمهات. كما استفادت Nura Ibrahim و16 امرأة أخرى من فرص العمل التي وفرها المشروع، وساعد قرب العمل من منازلهن ومرونة ساعات العمل على التوفيق بين المسؤوليات الأسرية والعمل.
توضح هذه التجربة أن المشروع الأخضر لا يشترط أن يبدأ بحجم كبير. فقد تبدأ الفكرة من مهارة أو احتياج أو مشكلة شخصية، ثم تتطور عندما تجد المعرفة والدعم والسوق المناسب.
عندما تتحول فرصة واحدة إلى فرص لنساء أخريات
لا يظهر أثر ريادة الأعمال فقط في الأرباح التي يحققها المشروع، بل يمكن أن يظهر أيضاً في قدرته على خلق فرص جديدة للتدريب والعمل والتعاون.
فعندما تتعلم امرأة مهارة جديدة، يمكنها نقلها إلى امرأة أخرى. وعندما ينمو مشروع صغير، يمكن أن يخلق وظائف أو فرصاً إضافية للتدريب والعمل.
وهذا ما تظهره تجربة Tashuqat؛ إذ تحولت فكرة بدأت من حاجة شخصية لدى Ola إلى مشروع وفر فرصاً ومهارات لنساء أخريات.
وهكذا يمكن أن تنتقل المعادلة من:
امرأة تبحث عن فرصة
إلى:
امرأة تصنع فرصة لنفسها ولغيرها.
وهذا أحد الجوانب المهمة في ربط ريادة الأعمال بالتحول الأخضر؛ إذ يمكن للمشروعات أن تجمع بين الأهداف البيئية والاقتصادية والاجتماعية عندما تتوافر لها البيئة المناسبة.
ماذا يحدث في مصر؟
الموضوع لا يقتصر على الأفكار النظرية.
وفقاً لمنظمة العمل الدولية، تم دعم 212 رائدة أعمال في قطاعات خضراء في مصر خلال عام 2024، ضمن جهود تهدف إلى دعم ريادة الأعمال النسائية وتعزيز الانتقال العادل نحو اقتصاد أكثر استدامة.
كما ركزت جهود المنظمة في مصر على قطاعات مثل الزراعة والطاقة المتجددة وإدارة المخلفات، مع التأكيد على أهمية تحسين الوصول إلى التمويل والموارد والأسواق، وتطوير السياسات التي تدعم مشاركة النساء في الاقتصاد الأخضر.
وهذا يشير إلى وجود مشروعات وبرامج ومؤسسات تعمل على تطوير منظومة ريادة الأعمال الخضراء ودعم مشاركة النساء فيها، وليس مجرد الحديث عن فرص مستقبلية.
لكن الطريق ليس خالياً من التحديات
رغم الفرص المتاحة، قد تواجه المرأة التي تريد بدء مشروع أخضر أو تطوير مهاراتها مجموعة من التحديات، أبرزها:
- التمويل: الوصول إلى الموارد المالية اللازمة لبدء المشروع أو تطويره.
- المهارات: اكتساب المهارات التقنية والإدارية اللازمة للعمل في القطاعات الجديدة.
- الوصول إلى الأسواق: الوصول إلى العملاء وسلاسل التوريد والفرص التجارية.
- الموارد والتكنولوجيا: الحصول على الأدوات والتقنيات والمعلومات اللازمة لتطوير المشروع.
- الشبكات المهنية: الوصول إلى المؤسسات والمرشدين والشركاء الذين يمكن أن يساعدوا المشروع على النمو.
وتشير منظمة العمل الدولية إلى أن عدم المساواة في الوصول إلى التمويل والأسواق والمهارات، إلى جانب بعض القيود الاجتماعية والمؤسسية، يمكن أن تحد من مشاركة النساء وقدرتهن على الاستفادة من الفرص التي يوفرها التحول الأخضر.
لذلك، لا يكفي أن نقول للمرأة: «ابدئي مشروعك»؛ بل يجب أن تتوافر البيئة التي تساعدها على الاستمرار والنمو.
من البيت إلى المجتمع... ثم إلى المؤتمرات
لكن ماذا يعني أن تنتقل المرأة من البيت إلى المؤتمرات؟
لا يعني ذلك أن كل امرأة تبدأ مشروعاً ستصل بالضرورة إلى مؤتمر دولي، وإنما يشير إلى إمكانية توسع أثر التجربة تدريجياً.
قد تبدأ الرحلة بـ:
مهارة تتعلمها من المنزل → مشروع صغير → مصدر دخل → تدريب نساء أخريات → مشاركة في مبادرة أو شبكة مجتمعية → خبرة وصوت في النقاشات المتعلقة بالمناخ والتنمية.
ومع تراكم الخبرة والتأثير، يمكن أن تتاح للمرأة فرص أكبر للمشاركة في الحوارات والفعاليات التي تناقش قضايا المناخ والتنمية والاقتصاد.
وتؤكد منظمة العمل الدولية أهمية مشاركة النساء ليس فقط كمستفيدات من التحول الأخضر، ولكن أيضاً كقائدات ومبتكرات ومحركات للتغيير في القطاعات المرتبطة بالانتقال الأخضر.
وهنا تتحول المرأة من شخص يتأثر بالمشكلة إلى شخص يشارك في صناعة الحل.
ما الذي نحتاجه حتى تصبح الفرصة حقيقة؟
حتى تتحول الأفكار إلى مشروعات مستدامة، لا يكفي وجود الرغبة أو الفكرة وحدها. تحتاج رائدات الأعمال إلى منظومة تساعدهن على تحويل الأفكار إلى مشاريع قابلة للنمو، وتشمل:
- التعليم والتدريب لاكتساب المهارات.
- التمويل لتحويل الأفكار إلى مشروعات.
- التكنولوجيا لتطوير المنتجات والخدمات.
- الوصول إلى الأسواق حتى تستطيع المشروعات الاستمرار والنمو.
- الشبكات والإرشاد لتوفير الخبرة والشراكات والدعم.
وتوصي منظمة العمل الدولية بتحسين وصول رائدات الأعمال إلى التمويل والأسواق والمهارات، إلى جانب تطوير السياسات والمؤسسات التي توفر بيئة أكثر دعماً لريادة الأعمال النسائية في الاقتصاد الأخضر.
وفي مصر، ظهرت أيضاً جهود حديثة لدعم منظومة ريادة الأعمال الخضراء. ففي 25 يونيو 2026 أطلق برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في مصر وجهاز تنمية المشروعات المتوسطة والصغيرة ومتناهية الصغر Green Link Task Force، وهي آلية تنسيقية تجمع جهات حكومية ومؤسسات مالية وأكاديمية ومنظمات دعم ريادة الأعمال والمجتمع المدني وغيرها، بهدف تعزيز التعاون وتبادل المعرفة ودعم المشروعات الخضراء في النمو والتوسع.
القيادة قد تبدأ من مكان بسيط
ربما لا تبدأ القيادة المناخية دائماً من قاعة مؤتمر، ولا تحتاج في بدايتها إلى مشروع ضخم أو ميزانية كبيرة.
أحياناً تبدأ من منزل، أو مهارة، أو فكرة صغيرة، أو مشكلة دفعت امرأة إلى البحث عن حل.
لكن عندما تحصل هذه الفكرة على المعرفة والدعم والتمويل والفرصة، يمكن أن تتحول من محاولة فردية إلى مشروع، ومن مشروع إلى مصدر دخل، ومن مصدر دخل إلى فرص لنساء أخريات.
وفي عالم يبحث عن طرق أكثر استدامة لمواجهة تغير المناخ، تصبح مشاركة المرأة فرصة للاستفادة من أفكار ومهارات وقيادات جديدة يمكن أن تساهم في بناء اقتصاد أكثر خضرة وشمولاً.
فربما تبدأ الرحلة من البيت...
لكن تأثيرها يمكن أن يتجاوز حدوده.